الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
407
تفسير روح البيان
يجرى منها القبح والدم هو طعامهم وشرابهم ما دامت السماوات والأرض يَتَجَرَّعُهُ استئناف بيانى كأنه قيل فماذا يفعل به فقيل يتجرعه وفي التفعل تكلف ومعنى التكلف ان الفاعل يتعانى ذلك الفعل ليحصل بمعاناته كتشجع إذ معناه استعمل الشجاعة وكلف نفسه إياها لتحصل فالمعنى . لغلبتة العطش واستيلاء الحرارة عليه يتكلف جرعه مرة بعد أخرى لا بمرة واحدة لمرارته وحرارته ورائحته المنتنة وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ اى لا يقارب ان يسيغه ويبتلعه فضلا عن الإساغة بل يغص به فيشر به باللتيا والتي جرعة غب جرعة فيطول عذابه تارة بالحرارة والعطش وأخرى بشربه على تلك الحال فان السوغ انحدار الشراب في الحلق بسهولة وقبول نفس ونفيه لا يوجب نفى ما ذكر جميعا وفي الحديث ( انه يقرب اليه فيتكرهه فإذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شرب قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره ) وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ اى أسبابه من الشدائد والآلام مِنْ كُلِّ مَكانٍ ويحيط به من الجهات الست فالمراد بالمكان الجهة أو من كل مكان من جسده حتى من أصول شعره وإبهام رجله وهذا تفظيع لما يصيبه من الألم اى لو كان ثمة موت لكان واحد منها مهلكا وَما هُوَ بِمَيِّتٍ اى والحال انه ليس بميت حقيقة فيستريح وَمِنْ وَرائِهِ من بين يديه اى بعد الصديد وقال الكاشفي [ ودر پس اوست با وجود چنين محنتى كه ] عَذابٌ غَلِيظٌ لا يعرف كنهه اى يستقبل كل وقت عذابا أشد وأشق مما كان قبله ففيه رفع ما يتوهم من الخفة بحسب الاعتبار كما في عذاب الدنيا وعن الفضيل هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد ولذا جاء الصلب أشد أنواع العذاب نعوذ باللّه واستثنى من شدة العذاب عما النبي عليه السلام أبو لهب وأبو طالب اما أبو لهب فكان له جارية يقال لها ثويبة وهي أول من أرضعته عليه السلام بعد إرضاع أمه له فبشرته بولادته عليه السلام وقالت له أشعرت ان آمنة ولدت ولدا وفي لفظ غلاما لأخيك عبد اللّه فأعتقها أبو لهب وقال أنت حرة فجوزى بتخفيف العذاب عنه يوم الاثنين بان يسقى ماء في جهنم في تلك الليلة اى ليلة الاثنين في مثل النقرة التي بين السبابة والإبهام وفي المواهب رؤى أبو لهب بعد موته في المنام فقيل له ما حالك قال في النار الا انه يخفف عنى كل ليلة اثنين وامص من بين إصبعي هاتين ماء وأشار برأس إصبعيه وان ذلك باعتاقى لثويبة عندما بشرتنى بولادة النبي صلى اللّه عليه وسلم بارضاعها له كذا في انسان العيون واما أبو طالب فقال العباس رضى اللّه عنه قلت يا رسول اللّه هل نفعت أبا طالب بشئ فإنه كان يحوطك قال ( نعم هو في ضحضاح من النار ولولا انا لكان في الدرك الأسفل من النار ) وفي الحديث ( ان الكافر يخفف عنه العذاب بالشفاعة ) لعل هذا يكون مخصوصا بابى طالب كما في شرح المشارق لابن الملك قال في انسان العيون قبول شفاعته عليه السلام في عمه أبى طالب عدّ من خصائصه عليه السلام فلا يشكل بقوله تعالى فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ وفي الحديث ( إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمى أبى طالب وأخ لي كان في الجاهلية ) يعنى أخاه من الرضاعة من حليمة ويجوز ان يكون ذكر شفاعته لأبويه كان قبل احيائهما وإيمانهما به وكذا لأخيه فإنه كان قبل ان يسلم وقد صح ان حليمة وأولادها اسلموا انتهى الكل في الإنسان وفي الحديث ( يقال لاهون أهل النار عذابا يوم القيامة لو أن لك ما في الأرض من شئ أكنت تفدى به فيقول نعم